الأب زياد أنطون

سيرته الذاتيّة

الأب زياد أنطون، كاهن راهب ماروني مريمي،

درس الفلسفة في جامعة الروح القدس، الكسليك،واللاهوت في جامعة الأنجليكوم في روما. سيّم كاهنا في تموز 1998. انتقل بعدها إلى أمريكا حيث خدم في الرعايا المارونية واللاتنيّة هناك، وحصل على دبلوم دراسات معمّقة في علم التواصل من جامعة شرق ميشغن.

حائز على شهادة دكتورة في علم الإدارة التربويّة في جامعة شرقيّ مشغن. حيث يُعلّم مادة Research Methodologies for Mass Media students في جامعة سيّدة اللويزة. وهو أيضا نائب معلّم الإخوة الدارسين في الرهبنة المارونيّة المريميّة. له عدّة ترجمات، ومقالات ودراسات روحيّة وتاريخيّة ولغويّة منشورة بأغلبها على الإنترنت



معنى الشهادة المسيحيّة

إنّ الصفّة الرسوليّة هي من صلب الكنيسة التي أسسها الله كوسيلة خلاص للبشر. فكلّ مؤمن مُعمّد باسم الثالوث الأقدس، مدعو لأن يشهد للمسيح الفادي، الإله الحي الذي صار انسانا، و"هو الطريق والحقّ والحياة لا يأتي أحدٌ إلى الأب إلاّ به" (يوحنّا 14\6). وتكون الشهادة في كُلّ ما يعمله المسيحيّ. ويشرحُ مار بولس الرسول ظروف الشهادة، يقول: "إن أكلتم، أو شربتم، أو مهما فعلتُم، فافعلوه تمجيدا لله" (1 قور 10|30). إذا لا تكون الشهادة الشهادة بالقول، أو الوعظ وحسب، انما هي أوّلا وآخرا اقتداءً بالمسيح. وهي ليست حكرا على فئةٍ من المسيحيين المكرّسين أو الأكليروس، بل هي من صلب الدعوة الى القداسة.
تقومُ الشهادة على العيش في حضرة الله، والاقتداء بالمسيح يسوع من أجل بناء الملكوت. والشهيد في اليونانيّة، لغة الإنجيل هو الشاهد. فالشهادة المسيحيّة مؤسسة على الإيمان بأنّ حياتنا الأرضيّة الفانيّة، ليست إلاّ امتحان ضروريّ يسبق الحياة الأبديّة. وفقد فهمت الكنيسة منذ نشأتها أهميّة ملكوت الله، فكان أنّ طوّر، واعتنق العديد من أبنائها الحياة الرهبانيّة، كوسيلة جذريّة لعيش المشورات الإنجيليّة، أيّ التشبّه بالمسيح الطائع لأبيه، والفقير والعفيف. ألَم يقُل المسيح عن المكرّسين بأنّ "منهم مَن خصوا أنفسهم لأجل الملكوت" (متى 19|12). إذا، إنّ عيش القيم المسيحيّة بما فيها من غفران للأعداء، وإخلاء للذات، ومحبّة متفانية هو "من أجلِ الملكوت". فكُل شهادة هي التزام بقيم الإنجيل، وشهادة بأنّ كلّ شيء يهون في سبيل الملكوت. ويصُحُّ في الشهيد قول المسيح، بأنّه ذلك التاجر الذي "يتطلّبُ الجواهر، فوجد جوهرةً ثمنية، فباعَ كلّ ما يملك واشتراها" (متى 13|44). وتقومُ الشهادة الحقّة بالتضحية بكلّ غالٍ ونفيس في سبيل الخير الأوحد، أي الملكوت مع الله إلى الأبد.
كذلك، إنّ المسيحيّ الحقّ، كالراهب أو المكرّس، هو مَن باعَ كُلّ ما يملك، وتخلّى عن كلّ ما له، و"حسب كلّ شيءٍ كالزِبل ليربح المسيح" (فليبي 3|8). فالشهادة تعني أنّ لا ندع خيرات هذه الدُنيا وملذاتها تُعيقُنا عن السعادة الحقّة. لذا تتطلّب الشهادة من المسيحيّ أن يسعى في عائلته، ومجتمعه لأن يكون مسيحاً آخر، وأن يكون حضوره بين أخوته حضور رحمة، ومحبّة، وسلام. إنّ كُلّ مسيحيّ مدعو، على مثال العذراء مريم التي حملت الله في أحشائها لبيت زكريّا، لأن يكون مصدر سلام وفرح لأخوته. كلّ مسيحيّ مدعو لأن يعيش "التطويبات" (متى 5)، ويعمل جاهدا لإحلال السلام في قلبه وقلوب أخوته، ليستحق طوبى المُعلم: "طوبي للساعين إلى السلام، فإنّهم أبناءُ اللهِ يدعون."
لا يُمكِن للمسيحيّ أن يسكُت عن الظلم في مجتمعِه، أو أن يقف مكتوف الأيدي إزاء الفساء، ولو اضطرّه ذلك إلى مواجهة الحُكام الظالمين، أو عائلته وأحبّائه، أو حتّى رؤوسائه الروحيّن. فصرختُ القديس بولس: "الويلُ لي إن لم أُبشّر" (1 قور 9\16) تُنَدِّدُ بنا، وتدفعُنا إلى عيش دعوة المسيح بأن نكون "ملح الأرض، ونور العالم" (متى 5|13-14). فالشهادة للحقّ، الذي هو المسيح، هي واجبُ مقدّس على كُلِّ مسيحيّ، وهي دعوة الله لنا لأن نعيش بصدقٍ مسيحيّتنا، فلا نستحي به أمام الناس (مرقس 8|38).
قبل موته، وخلال مسيرته نحو أورشليم، حيثُ سيُسلّم ويموت كحمل الفصح، كَثُرَ كلام يسوع عن موته. وقدّ رأى يسوع في موته وسيلة لتمجيد أبيه (يوحنا 12|28)، وكأس الخلاص المُرّ، وهو أيضا يُعبّرُ عن عمق محبّتِه لنا. لم تكُن شهادة يسوع بالكلام واللسان، بل بالعمل والحقّ. فقبل أن يدعو النّاس إلى الترّفع عن الخيرات الماديّة، عاش فقيرا ولم يكن "له موضع يسند إليه رأسه" (متى 8|20). وقبل أن يدعو النّاس إلى الصوم، صام هو أربعين يوما حتّى جاع (متى 4|2). لقد مجّدَ يسوع أباه السماوي بعملِ مشيئتِه وطاعته له حتّى الموت. نعم لقد اضطرب، خاف، وحزِنَ يسوع أمام الموت، وصلّى بدموع: "إن أمكن، أبعد عنّي هذه الكأس! لكن لا مشيئتي، بل مشيئتك" (لوقا 22|42). فرغم ضعفه البشريّ، أطاع يسوع حتّى الموت. أطاع لأنّه أحبّ أباه السماوي، وأحبّنا نحنُ أخوته. إذا تقوم الشهادة المسيحيّة بقبول مشيئة الله لنا بإيمان، والصبر على المحَن، وبتمجيد اسم الله في كلّ شيء، بخاصة في أوان الشدّة والتجربة، حتّى الموت.
ولا يستطيع الإنسان أن يؤمن بما لا يراه، ما لم يُحبّ الله وأخوته. ألم يقُلْ يسوع، واصفا حالته قبل موته: "ما مِن حُبٍّ أعظمُ من هذا وهو أن يبذل الإنسان نفسه في سبيلِ أحبّائه" (يوحنا 15|13)؟! قبلَ موته شبّه يسوع نفسه بحبّة القمح، وبالأم المُشرفة على الولادة. قالَ الرّب بأنّ "على حبّة القمح أن تقع في الأرض وتَمُت، لكي تأتي بثمارٍ وافرة" (يوحنا 12|24)، وأيضا "إنّ المرأة تحزن متى حانت ساعةُ ولادتها ... لكنّها تنسى شدّتها عندما تعي بأنّها قد ولدت طفلا جديدا في العالم" (يوحنا 16|21). ففي كلتا المثلين نرى أن طبيعة الحياة هي العطاء والمحبّة. فطبيعيٌّ أن تموت حبّة القمح لكي تأتي بثمار، وطبيعيٌ للأم أن تلد البنين بالعذاب والفرح، وطبيعيٌّ للمسيحي وكلّ إنسان أن يعيش الحُبّ والعطاء على مثال الطبيعة من حوله. فالشهادة إذا، وبحسب القديسة ترايزيا الطفل يسوع، هي عيش الحُبّ في الكنيسة، هي الجهادُ في سبيل حياة النّاس. أَلم يقُلْ المسيح "جئت لكي تكون لهم الحياة، والحياة وافرة" (يوحنا 10|10). لقد أحبّ المسيح الكنيسة فبذل نفسه لأجلها، وغسل خطايانا بدمه، وكذلك بيذل الشهداء نفوسهم رخصية بسبب محبّتهم لله والكنيسة. فمَن يُحبّ يحملُ صليب الألم والحرمان راضيا، بل جزلانا لأجل حياة أحبّائه، كما تبذُل الأم نفسها، كشمعةِ تحترق لتضيء حياة عائلتها، ويبذل الأب المحّب ذاته، ويحرق سني حياته في سبيل عائلته.
لم يُرِد يسوع أن نتذكّره في مجده على جبل التجلّي، أو كصانع المعجزات. فلقد كان صريحا بطلبه إلى الرُسل بألاّ يخبروا أحداّ أنّه هو المسيح، حتّى ما بعد صلبه وقيامته (مرقس 9|9). فبعد تجلّيه على الجبل بالمجد، وشفائه العحيب للولد المسكون، ذكرّنا بأنّ عليه أن يسلم ويتألّم ويموت من أجلنا (لوقا 9|44). لقد أراد يسوع أن نتذّكره على الصليب، وليس في موقع المجد أو القوّة، لنفهم عظم محبّته لنا. فهو لم يُحبُّنا بالكلام، ولم يُخلّصنا بارسالهِ أحد الأنبيا ء، أو الملائكة، أو بإنزال دستور حياة لنا، بل تجسّد شخصيّا، وصار مثلنا في كُلِّ شيء، ومات معذّبا على الصليب، عُريانا ملتحفا بخزي خطايانا، لكي يظهر لنا عظم محبّته لنا. فالمسيحُ إذا، بموتِه كان الشاهد الأوّل على حقيقة الله-المحبّة. وهو الشهيدُ الأوّل، لا بلى الكاهن والذبيح، الذي قرّب ذاته قربان رضى عن اخوته جميع البشر.
وليس الشهيد مَن قتل نفسه أو انتحر، ولو في سبيل الدفاع عن الآخرين. فللأسف، هناك سوء فهم واستعمال لمفهموم الشهادة في أيّامنا هذه. فيُسمّى الإنتحاريون شهداء! ويُكرّمُ مَن فقد صوابه وثارت فيه روح الضغينة والحقد والانتقام فدّمر حياته ليقتُل أكثر عددٍ ممكن من الأبرياء! ليس الشهيدُ مَن يتقاضى أجرا لقاء عمليّةٍ إنتخاريّة، مهما سمى هدف مثل هذه العمليات، ومهما تنامى جور وتعسّف الظالمين. أَلم يحذّرُنا الله من أن "نقاوم الشرّ بالشرّ!" (1 تسالونيقي 5|15)، ولكن "إذا جاعَ عدوُّكَ فأطعمه، وإذا عطِشَ فاسقِه، فأنت بذلكَ تضعُ جمر نارٍ على هامته" (روما 12|20) . لَم يسعَى يسوع يوما إلى حتفه، بل صلّى لأبيه السموايّ لكيّ ينجيه من الموت، انما ارتضى به حُرّا حُبّا بالبشر، وليس كرها، أو ليجلب غضب الله على صالبيه. أَلم يُصلّي من على صليب الوجع والهوان: "اغفر لهم يا أبتاه، لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون!" (لوقا 23|34).
ونحنُ اليوم، كما في الأمس، مدعوون إلى أن نشهد على عظائم الرّب في حياتنا. نشهدُ لله بأنّه أبانا، وللمسيح بأنّه مخلّصنا، وللروح القدس مُحيينا ومُقدسنا. ونشكر الله على عطاياه، على شركة القديسين، على الكنيسة، على دمّ الشهداء، الذي هو بذار القداسة. فالشهيد هو مَن جُرّبَ فوجِدَ أمينا (عبرانيين 11|17)، على مثال المسيح "الشاهد الأمين" (رؤيا 1|5)، القائل لي "أبقى أمينا حتّى الموت، وأنا أعطيك تاج الحياة" (رؤيا 2|10). وصلاتُنا أن نكون مستعدين دوما لتأدية شهادة الدم، اذا ما دعانا الله للشهادة. وإيمانُنا ليس فيه خوف، كما قال المُعلّم: "لا تخافوا في تلك الساعة بماذا تتكلّمون أو ماذا تقولون، فإنَّ روحَ أبيكُم هو يتكلّمُ فيكُم" (متّى 10م\20). وفي الختام نرفعُ صلاتنا للشيهد الأوّل، المسيح الذي طهّر الكنيسة بدمه، ومات على الصليب موت عار، محتملاً جور أعدائه، ليُصالحهم مع الله، ومع الرُسُل نطلب "أعطنا يا ربّ أن نوجدَ أهلاً لأن نحتقر لأجلِ اسمِكَ" (أعمال الرسل 5|41).


   

Lexamoris.com
شريعة المحبّة
جميع الحقوق محفوظة للأب بيار نجم ر.م.م.، 2010